البحث في :  

 

  
 • الكتب العقائدية
 • الكتب الفقهية
 • الكتب التاريخية
 • الكتب الأخلاقية
 • الكتب الحديثية
 • كتب السيرة
 • كتب متنوعة
 • أدعية وزيارات
من روائع حكمه
كتاب : الإمام السجاد (ع)
القسم : كتب السيرة
من روائع حكمه:
الحكمة هي ثمرة تجارب طويلة وحصيلة نظر ثاقب في أمور الحياة، وبصيرة نافذة في قضايا الناس وأخلاقهم.
والحكمة تأمل هادئ في سعي الإنسان وفي الغاية التي ينشدها والنهاية التي يترقبها، كما هي إحساس دقيق في جميع فروع الحياة البشرية.
والحكمة هي إحساس بكل ما تتفتق به الحياة من ولادة أفكار تزهر وتعقد وتثمر على هذه الأرض التي منها وإليها الإنسان، وهي تأخذ زخماً في النمو والعطاء من إبداع الإنسان وحسن فهمه لأسرار الوجود.
تأخذ الحكمة غذائها من الماضي وتتلون بألوان الحاضر وتكون
منارة مشعة يستضيء بنور هديها المستقبل.
والحكمة في صدر الإسلام، كغيرها من الحكم، دليل واضح على رقي عقيلة العلماء، أوصياء على الأمة الإسلامية وأمناء على مسيرتها في طريق الخير والصلاح، ولا سيما الأئمة المعصومين أئمة الهدى الذين أخذوا على عاتقهم مسؤولية نشر الدعوة الإسلامية وتقويم الانحراف لتسير في الطريق الصحيح الذي رسمه الرسول الأعظم. والعلماء الحكماء هم ورثة الأنبياء منهم الإمام زين العابدين:
تدل حكم الإمام (عليه السّلام) على أصالة في الرأي، وتطور في الفكر، وإبداع في العطاء، وهي تحكي خلاصة التجارب التي ظفر بها الإمام في حياته، ولا تقتصر على جانب خاص من جوانب الحياة وإنما كانت شاملة لجميع مناحيها. لقد نظر الإمام (عليه السّلام) الحكيم بعمق وشمول إلى جميع شؤون الإنسان فوضع الحلول الحاسمة لجميع قضاياه وشؤونه. وهذه بعض ما أثر عنه من غرر حكمه الحية الخالدة التي يفيد منها كل إنسان في حياته الخاصة والعامة. قال (عليه السّلام):
1- (من كرمت عليه نفسه هانت عليه الدنيا)( ).
حكمه رائعة تحكي واقع الأحرار في كل زمان الذين هانت عليهم الدنيا من أجل عزتهم وكرامتهم، نفوسهم أبية ومواقفهم شريفة، فلم يخضعوا للذل والهوان ولم يسكتوا عن الظلم والطغيان بل قاوموا بكل ما لديهم من قوة، وجاهدوا بأغلى ما عندهم بالمال والبنين والأنفس، وكان على رأسهم أبو الأحرار وسيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السّلام) الذي كرمت عليه نفسه فاستهان الدنيا وما عليها، ولم يصانع الظالمين، ولم يمالئ المنحرفين بل حمل راية الكرامة الإنسانية، راية جديه، أمير المؤمنين وخاتم النبيين حتى استشهد مرفوع الرأس، موفور الكرامة.
الحسين (عليه السّلام) لبس درع الرسالة فوجد في كل حلقة فيه نبضة قلب يتفجر عزيمة، والعزيمة تشع كضوء يتماوج بألف لون. قال الإمام الحسين كلمة ملتزمة تقول: الموت البطولي، الشهادة من أجل الحق، كلمة جده محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) التي كتبها من فوح القرآن، وقالها من بوح جسده ذي القلب السماوي ليعبر الضفة قبالة والده أمير المؤمنين، فريد الدهور في حب الحق الأعلى.
لقد قدم الإمام الحسين منهجاً جديداً في ممارسة الحياة، منهج النضال الشريف من أجل صون حياة الإنسان.
والإمام السجاد مضى على خط أبيه يناضل من أجل الحق، ويقول كما قال أخو الأوس لابن عمه عندما لقيه وهو يريد نصرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال له: أين تذهب فإنك مقتول، فقال:
سأمضي وما بالموت عار على الفتى  إذا ما نوى خيراً وجاهد مسلماً
وواسى رجالاً صالحين بنفسه  وخالف مثبوراً وفارق مجرما
فإن عشت لم أندم وإن مت لم أُلم  كفى بك ذلاً أن تعيش وترغما( )
2- ومن حكمه (عليه السّلام) قوله:
(ضل من ليس له حليم يرشده، وذل من ليس له سفيه يعضده…)( ).
قد يتعثر الإنسان في خطاه إذا لم يكن له حليم يرشده في المعضلات التي تعترضه في حياته، فيتعثر في خطاه وينزلق في متاهات سحيقة، وقد يذل إذا لم يكن له سفيه يذب عنه ويعضده.
3- وقال (عليه السّلام): (ويل لمن غلبت آحاده أعشاره).
سئل الإمام الصادق عن معنى هذا الحديث فقال (عليه السّلام): (أما سمعت الله عز وجل يقول : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها ( ).
فالحسنة الواحدة من عملها كتبت له عشراً، والسيئة الواحدة إذا عملها كتبت له واحدة، فنعود بالله ممن يرتكب في يوم واحد عشر سيئات ولا تكون له حسنة واحدة فتغلب سيئاته حسناته( ).
4- وقال (عليه السّلام): (طلب الحوائج إلى الناس مذلة للحياة ومذهبة للحياء، واستخفاف بالوقار، وهو الفقر الحاضر وقلة طلب الحوائج من الناس هو الغني الحاضر…)( ).
إن طلب ما في أيدي الناس خضوع لهم مما يوجب الذل والهوان وذهاب الحياء، وهو دليل ضعف في نفس السائل أما الإنسان العزيز هو الذي يصون نفسه وكرامته ولا يطلب حاجاته إلا من ربه فهو يرزق من يشاء وبيده الخير وهو على كل شيء قدير.
5- وقال (عليه السّلام): (الكريم يبتهج بفضله، واللئيم يفتر بملكه..)( ).
تصف هذه الكلمة واقع الكريم واللئيم. فالكريم يفرح ويبتهج بما يسديه إلى الناس من فضل وإحسان، إحسان بالمال أو اليد أو اللسان، ذلك أن اليد العليا خير من اليد السفلى. أما اللئيم الذي لا فضل عنده من هذا فإنه يفخر بما يملكه من الأموال والأمتعة فقط التي سرعان ما تتحول
إلى تراب بعد قليل أو كثير. فالذي يبقى ويدوم هو العمل الصالح والكلمة الطيبة والإحسان إلى الآخرين من قلب طيب وروح فاضلة ونفس خيرة، أما المال والمتاع فهو غرض زائل، عمره قصير، يؤول أمره إلى تراب وصاحبه ليست لديه صفة كريمة أو نزعة شريفة يعتز بها ويفتخر.
6- وقال (عليه السّلام): (خير مفاتيح الأمور الصدق، وخير خواتيهما الوفاء…)( ).
التحلي بالصدق من أنبل الصفات وأكرمها، والصادق إنسان وقور يعيش بين قومه وأهله محبوباً كريماً. ولا نعرف صفة أفضل تكفل استقرار المجتمع الإنساني وتضمن الثقة بين المواطنين مثل الصدق. لذلك اعتبره الدين الإسلامي أساساً ثابتاً من الفضائل التي تبنى عليها المجتمعات في الأمم الراقية.
لذلك دعا الله المؤمنين للتخلق به فقال سبحانه مخاطبهم:  يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً( ).
وقد دعانا الرسول الكريم إلى قول الصدق جميع أعمالنا وأقوالنا وتصرفاتنا فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً)( ). وقال أحد الشعراء:
الصدق في أقوالنا أقوى لنا  والكذب في أفعالنا أفعى لنا
وخير خواتيم الأمور الوفاء. وأفضل ما تحدث به القرآن الكريم عن
الوفاء وصفة تبارك وتعالى ذاته القدسية بالوفاء فقال سبحانه:  إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله قيقتلون ويقتلون، وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله..( ).
كما نوه القرآن الكريم بسمو فضيلة الوفاء حين جعلها صفة الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين. فقال تعالى في سورة النجم: وإبراهيم الذي وفّى [الآية 37].
وللوفاء شأن يذكر وخبر يؤثر عند أئمة هذه الأمة وأعلامها المؤمنين الصادقين أمثال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي نام في فراش الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مسلماً نفسه للموت في أي لحظة يهاجم بها أعداء الرسول منزله غير آبه بما سيحدث ولو كان الموت، الموت في سبيل إنقاذ رسول الله. إنه الفداء الصادق والوفاء المخلص.
قال أمير المؤمنين (عليه السّلام): (إن الوفاء توأم الصدق، ولا أعلم جُنَّة أوفى منه، ولا يغدر من علم كيف المرجع، ولقد أصبحنا في زمان قد اتخذ أكثر أهله الغدر كيساً، ونسبهم أهل الجهل إلى حسن الحيلة. ما لهم قاتلهم الله؟ قد يرى الحوَّل القُلَّب وجه الحيلة ودونه مانع من أمر الله ونهيه فيدعها رأي عين بعد القدرة عليها وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين)( ).
ولهذا أكد الإمام زين العابدين (عليه السّلام) على لزوم التجلي بالصدق والوفاء لأنهما من أسمى الصفات التي يشرف بها الإنسان المسلم.
7- وقال (عليه السّلام): (عجبت لمن يحتمي الطعام لمضرته، ولا يحتمي من الذني لمعرته)( ).
الجسد وعاء للروح وعلى الإنسان أن يحافظ على كليهما فالروح الطاهرة النظيفة يجب أن يحضر لها جسد طاهر نظيف والحمية من الذنوب، وما يلحقها من مآثم وعار أولى للمسلم العاقل من الحمية من الطعام المضر للجسد، ذلك أن مضرة الجسد علاجها سهل وموعدها قريب، أما مضرة الروح فإنها تجر الويل والشقاء في دار الآخرة التي هي دار الخلود والبقاء.
8- وقال (عليه السّلام): (إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو شكراً للمقدرة عليه، فإن العفو عن قدرة، فضل من كرم..).
العفو عند المقدرة دليل شرف النفس وسعة حلمها، وهو ضرب من الكرم العظيم، أما الانتقام فإنه ينم عن لؤم وخسة في الطبع والسلوك.
9- قال (عليه السّلام) في الكلام المسموح والكلام المسموع (ليس لك أن تتكلم بما شئت لأن الله تعالى يقول: ولا تقف ما ليس لك به علم( ).
10- وليس لك أن تسمع ما شئت لأن الله عز وجل يقول: إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً( ) كل إنسان مسؤول عن الكلام الذي يتكلم به أمام نفسه وأمام ربه وأمام الناس. أن الكلمة إذا تكلم بها المتكلم خرجت عن طاعته ولم تبق ملك يده، لكنه قبل التكلم بها يملكها. ورب كلمة أحدثت صلحاً ووفاقاً بين شخصين أو بين شعبين، ورب كلمة جرت حرباً وأعقبها ويلات ومصائب. من هنا كان وصفه تعالى
للكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة( ). قال تعالى:
ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة…ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض( ). فالإسلام حدد الكلام المسموح به الذي يتكلم به الإنسان وذلك فيما يرجع إلى تدبير شؤونه في معاملاته، وسائر أغراضه الأخرى المباحة. أما الكلام الذي يهدف منه صاحبه إلى ترويج الباطل وقول الزور فإنه حرام بلا ريب ويحاسب عليه.
وكما حدد الإسلام الكلام المسموح حدد أيضاً الكلام المسموع. الكلام الذي يسمعه الإنسان، وهو الكلام الطيب، فاستماع الغيبة منهي عنه واستماع الفحش منهي أيضاً عنه، ذلك أن الإنسان يحاسب على أحاسيسه القلبية ومشاعره النفسية.
وقد سئل الجاحظ عن صفات الإنسان العاقل فأجاب (هو الذي يعلم متى يتكلم وكيف يتكلم ومع من يتكلم). إن الله تعالى أرسل رسله الكرام ليتكلموا وينشروا الدعوة الإسلامية في أرجاء الأرض، وأرسل أئمة الهدى ليتكلموا ويثبتوا الحق ويجاهدوا في سبيل الله. والعلماء في شتى بقاع الأرض عليهم بالكلام ليعلموا الجاهلين وينشروا المعرفة. أما الذي يعلم ولا يعمل بما يعلم هو كالجاهل.
لكن هؤلاء الأنبياء والأوصياء والعلماء تكلموا الكلام الطيب، الكلام المفيد الذي يرغب كل إنسان عاقل على سماعه. والكلام الطيب هو من أثمن ما يلقى على السمع، بل هو فاكهة الحياة على حد قول الإمام زين العابدين (عليه السّلام) حيث قال: (لكل شيء فاكهة، وفاكهة السمع الكلام الحسن).
11- وقال (عليه السّلام) في الحسد والحقد: (الحسود لا ينال شرفاً،
والحقود يموت كمداً..)( ).
يعد الحسد من أقبح الرذائل الخلقية التي تحل في نفس الحسود فتنكد عليه عيشه لأنه يتمنى زوال كل ما يشاهد من نعم أسبغها الله على عباده إلى نفسه وحده فلا يميز بين أخ وصديق أو جار ورفيق. يحب الخير لنفسه دون غيره.
وكم نرى مثل هؤلاء النموذج الفاسد في المجتمع المادي الصرف حيث تحل الأنانية القائلة محل المحبة السالمة، وتسود البغضاء والحقد بدل التآلف والإيثار. والحسود فقد الثقة بنفسه واستشعر بالعجز يسيطر عليه ويحول بينه وبين تحقيق غاياته. لذلك نهى الله تعالى عن الحسد وناشد عباده فقال سبحانه : ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض..( ).
فلماذا الحسد والتحاسد، فكل إنسان وما تكسب يداه وكل فرد وما يحقق بفضل فكره وجهده واجتهاده من هنا كان التفاضل بين بني البشر. فمن أراد السعادة فليسع إليها فلا عوائق تحول بينه وبينها إذا ما صمم بنية طيبة وقلب سليم    فامشوا في مناكبها وكلوا ن رزقه وإليه النشور( ). وفي موضع آخر من القرآن الكريم أمر الله بالاستعاذة بالله من الحاسد قال سبحانه: قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد( ). والحقيقة أن الحاسد يستثير منا الشفقة لما يلاقيه من ألم نفساني الذي هو أشد وطأة عليه من الألم الجسدي. فهو قلق دائماً لا يستلذ بطعم العيش، ولا يستمتع بلذة النوم، غريب بين اناس، منعزل عن الأحباب والأصحاب، وهل تحلو الحياة بدونهم؟!.
والحسد لا يؤثر إلا في أصحابه كالنار تأكل بعضها البعض إن لم تجد ما تأكله. قال أحد الشعراء:
إصبر على حسد الحسود  فإن صبرك فاتله
فالنار تأكل بعضها   إن لم تجد ما تأكله
فعلى الإنسان أن يستمتع بما يصادفه في حياته من مسرات ويؤدي العمل الذي يجب عليه أداؤه بجد وإتقان دون أي مقارنة بينه وبين من هو أسعد منه حظاً، بل عليه أن ينظر إلى من هو دونه ليدرك فضل الله عليه. وفي هذا المجال قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه)( ). وعليه أن يدعو فيقول:
يا رب: ساعدني على أن أرى الناحية الأخرى من الصورة ولا تتركني أتهم أخصامي بأنهم خونة لأنهم اختلفوا معي في الرأي.
يا رب: علمني أن أحب الناس كما أحب نفسي.. وعلمني أن أحاسب نفسي كما أحاسب الناس.
يا رب: علمني أن التسامح هو أكبر مراتب القوة، وأن حب الانتقام هو أول مظاهر الضعف، إنك سميع مجيب.
وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إن العفو لا يزيد العبد إلا عزاً، فاعفوا يعزكم الله، وإن التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة فتواضعوا يرفعكم الله، وإن الصدقة لا تزيد المال إلا إنماءً فتصدقوا يزدكم الله).
وسئل جعفر بن محمد (عليه السّلام) في التواضع فقال: (رأس الخير التواضع وهو أن ترضى من المجلس بدون شرفك، وأن تسلم على من لقيت،
وتترك المراء وإن كنت محقاً)( ).
وقال الحكماء ثمرة القناعة الراحة وثمرة التواضع المحبة. وقالوا: التواضع كالوهدة يجتمع فيها قطرها وقطر غيرها. إن التواضع نعمة إلهية، ونفحة طيبة، وصفة إنسانية نبيلة فطوبى لمن تحلى بالتواضع مع رفعة قدره وسموه ذاته، والجدير بكل من تحلى بهذه الصفة الكريمة أن يكون في الصفوف الأولى من عالمنا هذا المتحضر.
وما يجدر الإشارة إليه أننا أصبحنا في عصرنا الحاضر المتحضر نرى الكثيرين من أفراد الأمة يتصدرون المجالس ليشار إليهم بالبنان، ويتبجحون في أساليب كلامهم ليظهروا عظمتهم ويرموا بهالة من التقديس والتوقير في نفوس مستمعيهم. والحقيقة أن التقديس منهم براء، والعظمة منهم في عزاء، والمجد والرفعة بعيدان عنهم على حد سواء. وقال الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (أفضل الرجال من تواضع عن رفعة وزهد عن قدرة، وأنصف عن قوة( ).
ومما روي عن الإمام زين العابدين (عليه السّلام) قال: لامه عبد الملك بن مروان لأنه تزوج أم ولد لبعض الأنصار فكتب إليه الإمام (عليه السّلام): (إن الله قد رفع بالإسلام الخسيسة، وأتم النقيصة، وأكرم به من اللؤم، فلا عار على مسلم، هذا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد نزوج أمته وامرأة عبده)( ).
أدعو الله تعالى فأقول: (يا رب إذا أعطيتني مالاً لا تأخذ سعادتي، وإذا أعطيتني قوة لا تطفئ سراج بصيرتي، وإذا أعطيتني تواضعاً لا تأخذ اعتزازي بكرامتي.
11- وقال (عليه السّلام): لا حسب لقرشي ولا عربي إلا بالتواضع)( ).
من الأخلاق الإسلامية الفاضلة التواضع فهو كما نعلم من القرآن الكريم، نعمة سماوية تحصّن صاحبها بالجلالة والوقار، وتجنبه الوقوع في المزالق والأخطار. لأن المتواضع يكون قد أرضى ربه سبحانه وتعالى وأرضى عباده عز وجل، فكثر محبوه، وقل مبغضوه، وارتاحت نفسه، وصفا عيشه، واستراح من التفكير في اختيار صدور المجالس كما يفعل أهل الكبر والخيلاء في عصرنا الحاضر، بزعمهم أن عنوان الشخص بمجلسه وليس بتقدير جلسائه له. هؤلاء قد نسوا أنه لا رافع لمن وضعه الله سبحانه، ولا واضع لمن رفعه، وكل شيء بمشيئته سبحانه قال تعالى:
اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير( ).
والمتواضع لا بد وأن يكون لين الجانب، طيب السيرة، حسن السريرة، مثاباً من الله. لذلك دعا الله جل جلاله رسوله الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ليتواضع ويلين جانبه مع الناس. قال تعالى:  فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لا نفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر..( ).
ومن عجيب الأمر أن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان من أجمع لدواعي الترفع التي كانت سائدة عند قومه آنذاك، وكان في الوقت نفسه أدناهم إلى التواضع ذلك أنه كان أوسط( ) الناس نسباً وأوفرهم حسباً، وأسخاهم، وأشجعهم، وأذكاهم، وأفصحهم، وهذه كلها من دواعي الترفع. ومن تواضعه أنه كان
يرقع الثوب، ويجلس على الأرض، ويخسف النعل ويجيب دعوة المملوك.
قال أنس بن مالك: (كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يعود المريض، ويتبع الجنائز، ويجيب دعوة المملوك، ويركب الحمار، وقد رأيته يوم حنين على حمار خطتمه ليف)( ).
12- البر تحفة:
إنه يوصي أحد أبنائه أن يكون كطيعاً له صادقاً صالحاً، براً به فالبر تحفة كبيرة، لأن الله أوصى الابن بأبيه، ولم يوصِ الأب بابنه ولعله بذلك يشير إلى الآية الكريمة: وبالوالدين إحساناً فهو يقول (عليه السّلام): يا بني إن الله رضيني لك ولم يرضك لي، فأوصاك بي ولم يوصني بك عليك بالبر فإنه تحفة كبيرة.
13- وقال (عليه السّلام): (يا بني أنظر خمسة فلا تصاحبهم ولا تحادثهم ولا ترافقهم في طريق، فقال: من هم يا أبتاه؟ فقال: إياك ومصاحبة الكذاب فهو بمنزلة السراب يقرب لك البعيد ويبعد لك القريب، وإياك ومصاحبة الفاسق فإنه يبيعك بأكلة وما دونها، فقال له ولده: وما دونها؟ قال: يطمع فيها ولا ينالها. وإياك ومصاحبة البخيل فإنه يخذلك فيما أنت أحوج ما تكون إليه؛ وإياك ومصاحبة الأحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك. وإياك ومصاحبة القاطع لرحمه فإني وجدته ملعوناً في كتاب الله).
يحدد لنا الإمام (عليه السّلام) في حكمه الإصلاحية الاجتماعية كيفية المصاحبة وكيفية التعاطي مع شريحة معينة من الناس كالكذاب والفاسق والبخيل والأحمق والقاطع لرحمه، حيث ينهى أبناءه عن مصاحبة مثل أولئك الناس أو محادثتهم أو مرافقتهم. لأنه يجد الكذاب كالسراب يقرب البعيد ويبعد القريب، والفاسق يبيع صاحبه بأكلة وما دونها. والبخيل يخذل صاحبه
وهو بأمس الحاجة إليه، أما الأحمق فإنه يضر بصاحبه وهو يريد منفعته. بينما القاطع لرحمه يجده الإمام ملعوناً في كتاب الله.
وفي هذا يكون الإمام (عليه السّلام) قد حدد دور هذه المصاحبة حتى يحصّن المرء نفسه من كل شائبة، وحتى لا يترك مجالاً لأصابع الاتهام بأن تشير نحوه قاصده إياه بما ليس فيه. فالابتعاد عن مثل هؤلاء البشر الفاسدين، هو صون للنفس ووقاية لها من أوبئة معنوية فاسدة تحط من قدرها اجتماعياً وإنسانياً.
 

إستخدم تنسيق الشاشة 800*600    .:.     تصميم، برمجة، وتقدمة الإستضافة من شبكة الأنوار الخمسة © Anwar5.Net